المقريزي

150

إمتاع الأسماع

( وأما المغفر ) المغفر : غطاء الرأس من السلاح كالبيضة وشبهها من حديد كان ذلك أو غيره . فقد ثبت من حديث مالك عن الزهري عن أنس ( رضي الله عنه ) قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر ، فلما نزعه جاءه رجل فقال له : ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال : اقتلوه ( 1 ) . وقد روى جماعة منهم بشر بن عمر الزهراني ، ومنصور بن سلمة الخزاعي ، عن مالك هذا الحديث ، وقالوا فيه : مغفر من حديد ، وكذلك رواه أبو عبيد القاسم بن سلام ، عن أبي بكير عن مالك قال فيه : من حديد ، وليس من حديد في الموطأ ( 2 ) .

--> ( 1 ) ( شرح السنة للبغوي ) : 10 / 399 . ( 2 ) ( موطأ مالك ) : 292 ، كتاب الحج ، جامع الحج ، حديث رقم ( 956 ) : عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر ، فلما نزعه ، جاءه رجل فقال له : يا رسول الله ، ابن خطل متعلق بأستار الكعبة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقتلوه . قال مالك ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ محرما ، والله تعالى أعلم . وأخرجه مسلم في كتاب الحج من ( الصحيح ) باب ( 84 ) جواز دخول مكة بغير إحرام ، حديث رقم ( 450 ) ، قوله : " وعلى رأسه المغفر " ، وفي رواية : " وعليه عمامة سوداء بغير إحرام " ، وفي رواية : " خطب الناس وعليه عمامة سوداء " . قال القاضي : وجه الجمع بينهما أن أول دخوله كان على رأسه المغفر ، ثم بعد ذلك كان علي رأسه العمامة بعد إزالة المغفر ، بدليل قوله : " خطب الناس وعليه عمامة سوداء " ، لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعدم تمام فتح مكة . وقوله : " دخل مكة بغير إحرام " هذا دليل لمن يقول بجواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد نسكا ، سواء كان دخوله لحاجة تكرر . كالخطاب ، والحشاش ، والسقاء ، والصياد ، وغيرهم . أم لم تتكرر ، كالتاجر ، والزائر وغيرهما ، سواء كان آمنا أو خائفا ، وهذا أصح القولين للشافعي . قوله : " اقتلوه " ، قال العلماء : إنما قتله لأنه كان قد ارتد عن الإسلام ، وقتل مسلما كان يخدمه ، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويسبه ، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين . فإن قيل : ففي الحديث الآخر : " من دخل المسجد فهو آمن " ، فكيف قتله وهو متعلق بأستار الكعبة ؟ فالجواب : أنه لم يدخل في الأمان ، بل استثناه هو وابن أبي سرح والقينتين ، وأمر بقتله وإن وجد متعلقا بأستار الكعبة ، كما جاء مصرحا به في أحاديث أخر . وقيل : لأنه لم يف بالشرط ، بل قاتل بعد ذلك ، وفي هذا الحديث حجة لمالك والشافعي وموافقيهما في جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة . وقال أبو حنيفة : لا يجوز ، وتأولوا هذا الحديث على أنه قتله في الساعة التي أبيحت له ، وأجاب أصحابنا بأنها إنما أبيحت ساعة الدخول حتى استولى عليها ، وأذعن له أهلها ، وإنما قتل ابن أخطل بعد ذلك ، والله تعالى أعلم . واسم ابن أخطل : عبد العزي ، وقال محمد بن إسحاق : اسمه عبد الله وقال الكلبي : اسمه غالب بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد بن جابر بن كثير بن تيم بن غالب . وخطل بخاء معجمة وطاء مهملة مفتوحتين ، قال أهل السير : وقيل سعد بن حريث ، والله تعالى أعلم . ( مسلم بشرح النووي ) : 10 / 140 - 141 . وأخرج البخاري في ( الصحيح ) : 6 / 203 ، كتاب الجهاد والسير ، باب ( 169 ) ، قتل الأسير ، وقتل الصبر ، حديث رقم ( 3044 ) ، وفيه أن الإمام يتخير - متبعا ما هو الأحظ للإسلام والمسلمين - بين قتل الأسير ، أو المن عليه بفداء - أو بغير فداء ، أو استرقاقه . ( فتح الباري ) . و ( المرجع السابق ) : 8 / 18 - 19 ، كتاب المغازي ، باب ( 49 ) أين ركز الراية يوم الفتح ، حديث رقم ( 4286 ) . و ( المرجع السابق ) : 10 / 338 ، كتاب اللباس ، باب ( 17 ) المغفر ، حديث رقم ( 5808 ) ، قال الحافظ ابن حجر : وقد ذكرت في شرح الحديث أن بضعة عشر نفسا رووه عن الزهري غير مالك . و ( سنن أبي داود ) : 3 / 134 - 135 ، كتاب الجهاد ، باب ( 127 ) قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام ، حديث رقم ( 2685 ) ، قال أبو داود : ابن خطل اسمه عبد الله ، وكان أبو برزة الأسلمي قتله . وأخرجه أيضا الترمذي في ( السنن ) : كتاب الجهاد ، باب في المغفر ، حديث رقم ( 1357 ) ، والنسائي في ( السنن ) : كتاب المناسك ، باب دخول مكة بغير إحرام ، حديث رقم ( 2870 ) ، وابن ماجة في ( السنن ) : كتاب الجهاد ، باب السلاح ، حديث رقم ( 1805 ) ، والدارمي في السير ، باب كيف دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر ، حديث رقم ( 2460 ) ، وفي المناسك ، باب دخول مكة بغير إحرام ، حديث رقم ( 1944 ) .